في الذكرى الخمسينية لأحداث 1956 في المجر
مرت في الثالث والعشرين من تشرين الأول 2006 الذكرى الخمسين لاندلاع ثورة سنة 1956 المجرية ضد الحكم الإستبدادي الستاليني في المجر، الثورة التي فشلت بعد تدخل عسكري سوفيتي واسع. وتحمل الذكرى في طياتها كل تناقضات تلك الفترة، إذ تجيء والمجر تمر في وضع حرج بسبب الخلل الكبير في الميزانية، وبسبب الاحتجاجات السياسية على السياسة المالية المتشددة التي تنوي الحكومة اتباعها لتصليح الخلل، واستغلال اليمين لما تسرب من خطابات رئيس الوزراء فرنتس جورتشان في تصفية الحسابات مع الحزب الإشتراكي الحاكم المنبثق عن حزب العمال الإشتراكي المجري (الشيوعي) الذي حكم المجر قبل 1990. ويثير القلق بشكل خاص نهج اتحاد الديمقراطيين الشباب (فيدس) أكبر أحزاب المعارضة اليمينية في نقل الصراع من تحت قبة البرلمان إلى الشارع مما يعرض الحياة البرلمانية والديمقراطية للخطر.
عرفت ثورة 1956 في الصحافة الرسمية السابقة بتعبير الثورة المضادة بمعنى النقيض للثورة الإشتراكية، وانعكس هذا التعبير في الأدب السياسي للحركات العربية اليسارية الموالية للدول الإشتراكية، والقومية المتحالفة معها. أما اليوم فيجري استعمال مصطلح الثورة والنضال التحرري لوصف الأحداث التي استمرت قرابة أسبوعين.
وفي الواقع كان المثقفون، وعلى وجه التحديد طلبة الجامعات الذين عقدوا اجتماع جامعة الهندسة في بودابست هم من فجر هذه الثورة بمسيرتهم الشجاعة يوم 23 تشرين الأول، مطالبين برحيل القوات السوفيتية والديمقراطية والتعددية الحزبية ومحاكمة راكوشي وعصابته وإعادة إمره ناج إلى رئاسة الوزارة، بذلك تجاوزوا مطالب المعارضة التقليدية المتمثلة بتوفير الحريات وتصفية مظاهر الستالينية في الحياة السياسية. غير أن لهيب الثورة انتشر على الفور لتشترك فيها كل الفئات الإجتماعية، فبدأت دوامة العنف التي كلفت كل الفئات الكثير من الضحايا، وابتدأت تصفيات وعمليات انتقامية ممن يشتبه بانتمائه إلى الشرطة السياسية أي مكتب حماية الدولة، المعروف بمختصر
AVH
، ومن الشيوعيين في حزب الشغيلة
. بالمقابل قامت أجهزة الدولة القمعية لاحقاً بحملة انتقام مضادة وتعقب ومعاقبة من أسهم في الثورة.
ولولا الوقفة المسؤولة للكثير من قادة حزب الشغيلة الحاكم وبينهم إمره ناج الذي أعاد البرلمان انتخابه رئيساً للوزراء فور اندلاع الثورة، وانحيازهم إلى الشعب المنتفض، لغرقت البلاد في فوضى عارمة وبحار من الدماء أكثر بكثير من الذي حصل. وسبق أن قام إمره ناج بخطوات هامة عندما ترأس الوزارة في 1953 للمرة الأولى بدعم من خروشتشوف أثناء التغيرات التي أعقبت وفاة ستالين، فقد أمر بإغلاق معسكرات الإعتقال الرهيبة وإيقاف عمليات التهجير القسري وأوقف تجميع المحاصيل من الفلاحين ورفع الأجور، ولربما كان سينجح في القضاء على الستالينية وتحويل البلاد إلى وجهة هي أقرب إلى ما قام به الإشتراكيون الديمقراطيون في المانيا الغربية والسويد مثلاً. غير أن سكرتير الحزب ماتياش راكوشي والجماعة الستالينية المرتبطة به عرقلت هذه المسيرة، فنُحي ناج عن رئاسة الوزارة في نيسان 1955 وطرد حتى من الحزب، ولم يعد إليه إلا بعد تنحية راكوشي من منصبه في 13 تشرين الأول 1956، أي قبل الثورة بأيام، بتأثير من قرارات المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي. وكان لهذه الأحداث تأثيرها في تقوية المعارضة أمام السلطة المجرية، المعارضة المتمركزة في اتحاد الكتاب وتجمع بتوفي واتحادات الطلاب. وعزز من فرص إندلاع الثورة إعادة الإعتبار للاسلو رايك ورفاقه من قادة الحزب الشيوعي الذين أعدمهم راكوشي في 1949 بتهم مزيفة، ومن ثم إعادة دفن جثامينهم في تشييع حضره أكثر من 200 ألف شخص يوم السادس من تشرين الأول 1956.
قامت الثورة في مناخ سياسي وتوقيت غير ملائمين البتة. فالحرب الباردة بين المعسكرين كانت قد نشبت، وابتدأ سباق التسلح النووي بين السوفيت والأمريكان، ولم يكن السوفيت مستعدين للتخلي عن حصتهم التي حصلوا عليها في مؤتمر يالطا عندما وضع ستالين وروزفلت وتشرتشل الحدود الأوروبية على الخارطة. كل هذا تزامن مع تورط بريطانيا وفرنسا إلى جانب إسرائيل في أزمة السويس والحرب ضد مصر فيما عرف بالعدوان الثلاثي، وتعبئة الرأي العام العالمي ضد هذا التدخل. كل هذا سهل للسوفيت القيام بتدخلهم المسلح لقمع الثورة المجرية في 4 تشرين الثاني نوفمبر، وتنصيب جماعة يانوش كادار في الحكم والتنكيل بالمشتركين في الثورة، حيث أعدم 232 شخص بينهم وزراء وضباط كبار لأسباب سياسية بالإضافة إلى أفراد دينوا بارتكاب أعمال قتل خلال المعارك والإضطرابات، وحكم بالسجن على كثيرين غيرهم. وقد جرى إعدام رئيس الوزراء إمره ناج في 1958 بعد اعتقاله من قبل الوحدات السوفيتية رغم الضمانات التي منحها كادار بعدم التعرض له من بناية السفارة اليوغوسلافية التي احتمى بها ورفاقه بعد قمع الثورة والسماح بمغادرته المجر. بذلك حصلت الإنتكاسة، وجرى التغاضي عن تصفية الستالينية في المجر قبل حصولها في الإتحاد السوفيتي عبر مجيء عصر بريجنيف.
الإحتفال بالذكرى:
واحتفلت المجر بهذه المناسبة بحضور أوروبي واضح، إذ حضر سبع وثلاثون رئيس دولة ورئيس وزراء، بالإضافة إلى الملكين الإسباني والنرويجي. وحضور الملوك مثل هذه المناسبات أمر نادر في العرف الدبلوماسي. وألقى الرئيس النمسوي هاينتس فشر كلمة في الإحتفال الرسمي المقام في دار الأوبرا بعد كلمة الرئيس المجري لاسلو شويوم مباشرة، بسبب علاقته بالثورة، فقد ساهم الرئيس النمسوي شخصياً في التظاهرات التي انطلقت في فيينا سنة 1956 تأييداً للثورة المجرية.
وأصدرت برلمانات عدة دول قرارات لتخليد ذكرى الثورة المجرية، مثل البرلمان الكندي والكونغرس الأمريكي. وانتجت بضعة أفلام كذلك بينها فلم عنوانه "الحرية، الحب" من إنتاج المنتج الهوليودي المعروف أندرو فاينا، وهو مجري الأصل. كما دعمت الحكومة المجرية إصدار عشرات الكتب التي تتحدث عن الثورة، بعضها باللغات الأجنبية. وأنعقد في 28-29 أيلول سبتمبر الماضي مؤتمر عالمي عن الثورة بمشاركة شخصيات معروفة بينها جوليو أندريوتي السياسي الإيطالي المعروف والرئيس المجري الأسبق والكاتب المسرحي آرباد غونتس الذي شارك فعلياً في الثورة وحكم عليه بالإعدام وقتها، غير أن الحكم لم ينفذ وأفرج عنه لاحقاً. ونظمت المؤتمر سفارات استراليا وكندا وفرنسا وإيطاليا وهولندا والسويد والولايات المتحدة الأمريكية والمركز العالمي للتحول الديمقراطي والمنظمة الإقليمية لمفوضية شؤون اللاجئين
UNHCR
والصليب الأحمر الدولي والمركز الثقافي الإيطالي في بودابست حيث عقد المؤتمر.
إمره ناج يقرأ بيان 28/10 في الراديو
|