|
كتابات الصحف عن ترجماتي لأعمال إمره كرتيس
الزمان
عرض لكتابة كرتيس "المحضر" في صحيفة الزمان عدد 6 أيلول 2006 بقلم محمد علوان جبر،
صحيفة المدى 3/5/2005
عرض ترجمتي لقصة كرتيس "لا مصير" التي صدرت عن دار المدى 2005، بقلم الناقد ابراهيم حاج عبدي صدرت الكتابة في 3 أيار 2005 في صحيفة المدى البغدادية
لا مصير
عرض لرواية كرتيس "لا مصير" في صحيفة الحياة بقلم الناقد الأديب شوقي بزيع - ملحق آفاق ليوم 11 أيار 2005
السفير
عرض عناية جابر لكتابي كرتيس صدرت في صحيفة السفير يوم 24 آب 2005
سيرة حياة إمره كرتيس
ثائر صالح
(نشرت المادتان في صحيفة الشرق الأوسط عدد 11/10/2002)
ولد الكاتب والمترجم إمره كرتيس في بودابست في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1929، أُخذ الى معسكر اعتقال آوشفيتس في صيف 1944 وهو في الرابعة عشرة، ونقل الى معسكر بوخنفالد قبل أن يعود الى بودابست في 1945. عمل في الصحافة، ثم انشغل بالترجمة. لا يتمتع بشهادة جامعية، ولم ينتم لأي جمعية أو تجمع للكتاب. عضو في الأكاديمية الألمانية للغة والشعر في دارمشتات منذ 1998. وهو أول أديب مجري يحصل على جائزة نوبل.
صدرت إولى رواياته، "اللا مصير" في 1973، ولاقت نجاحاً كبيراً في الثمانينات والتسعينات. تتحدث الرواية عن كُفش الشاب الذي يرسله النازيون الى معسكر الاعتقال لكنه يتكيف معه فيتمكن من النجاة. وكفش اليافع لا ينظر الى المعسكرات كما ننظر اليها نحن، بل من وجهة نظر طفولية. فالواقع في المعسكرات أمر طبيعي وحقيقي، كالأيام العادية التي تقتنص لحظات سعيدة رغم تعاسة الحال. فأوشفيتس بالنسبة له ليس بمكان عجيب غريب، كأنه جسم غريب خارج مسار التأريخ الأوروبي، بل هو الحقيقة لنهائية لانحطاط الانسان في العالم المعاصر.
تتميز أعماله بلمسات السيرة الذاتية، والمواضيع الأثيرة لديه هي حرية الانسان في ظل الأنظمة الشمولية، أوشفيتس والتأريخ الذي لا يمكن طيه، أنماط التفكير وغيرها. اشتهر في بلدان اللغة الألمانية وصدرت أعماله الكاملة في 1999 عند دار روفولت. من بين ترجماته الى اللغة المجرية أعمال إلياس كانَتّي، فرويد، هوغو فون هوفمانشتال، نيتشه، يوزف روت، أرتور شنيتسلر، لودفيغ فيتغنشتاين علاوة على ترجمة أعمال الكتاب الألمان والنمساويين الشباب.
أعماله:
لا مصير – بودابست 1973
مقتفي الأثر: قصتان قصيرتان. بودابست 1977
الفشل – بودابست 1988
قديش (قداس) للطفل الذي لم يولد بعد – بودابست 1990
الراية الانجليزية – بودابست 1991
يوميات العبودية – بودابست 1992 (في الأصل يوميات سفينة الرومان القدماء التي يجذف فيها العبيد)
الهولوكاوست كثقافة – ثلاث محاضرات – بودابست 1993
المحضر (إمره كرتيس وبيتر أسترهازي) – بودابست 1993
شخص آخر: توثيق التحول – بودابست 1997
لمحة صمت، قبل أن تعيد سرية الاعدام ملئ البنادق- بودابست 1998
اللغة المنفية – بودابست 2001
حصل على العديد من الجوائز، أهمها
جائزة أتيلا يوجف (1989)
جائزة براندنبورغ الأدبية (1995)
جائزة شاندور ماراي (1996)
جائزة معرض لا يبزيج الأدبية (1997)
جائزة كوشوت الحكومية المجرية (1997) وغيرها.
مقتطفات من مقابلة مع كرتيس في 1996
كم من السنين استغرقت كتابة اللا مصير؟
الكثير، الكثير. ثلاثة عشر عاماً تفصل بين الأفكار الاولى للرواية وإنجاز الجملة الأخيرة. بالطبع لم أكتب خلال هذه الأعوام اللامصير فقط. في البدء كنت أود معرفة أي شيء أود الكتابة، وماذا أكتب. تعين علي استكشاف قدراتي الشخصية، وتعين معاملة انطباعاتي وتكوين رؤيتي حول كل الخلفية التأريخية. تعين أن أختبر وأتخيل الانسانين الجهنميين: شخصية صانع الفظاعة وشخصية الذي عانى من الفظاعة. كان على صناعة لغة لكل ذلك، كان على أن اقرر كيفية التعامل مع الزمن في الرواية.
متى بدأت بها؟
انجزتها في 1973 بعد أن قررت في عام 1960 وأنا في الحادية والثلاثين أن أكتبها.
ألم تفكر قبل ذلك الوقت في الكتابة عن تجربتك؟
أكتب نصوصاً منذ 1954، لكنها لم تشأ اتخاذ شكل روائي. ابتكرت شخوصاً مثيرة، ووضعت في أفواهها نصوصاً مثيرة، لكن لم تنبعث من كل ذلك أية رواية. كنت أعرف ما أريد كتابته، لكن لم أكن أعرف كيف. أثارتني الدينامية، الامكانات اللغوية، حفزتني بأي لغة يمكن إلباس خبرتي عن العالم الشمولي، أغراني كذلك حتى هذا الكم الضئيل من الوثائق التي كنا نستطيع الحصول عليها في المجر. وأثارني هذا العالم الغريب، الذي يشكل خلفيات الدكتاتورية، التي عشتها وأنا ناضج العقل أثناء فترة حكم راكوشي، وبعد انتفاضة 1956 في فترة كادار.
هل توجد تقاليد في الأدب المجري للغة اللا مصير، والتي منها اغترفت بوعي أو بدونه؟
لا توجد. هذا الكتاب وهذه اللغة ما كانا ليظهرا لولا "كانديد" فولتير و"لا مبالاة" كامو. ثم كنت أرجع دوماً الى "مدرسة المشاعر" لفلوبير، والذي يبدو بعيداً جداً عن روايتي، لكنه برأيي أول عمل حديث يتعامل مع العالم المعاصر في إطار تكوين شديد الصرامة، وهذا الاطار يتفاعل نحو القمة في الختام، وهناك يعطي ثماره التي يصعب تصديقها. وأنا أيضاً طمحت الى شيء مشابه. أثر في كذلك كتاب دوستويفسكي "مذكرات من بيت الأموات". أما من كافكا فقد قرأت المجلد الأول في أواخر الستينيات. لكن الوثائق المختلفة هي التي أثرت فيّ بالدرجة الاولى، يوميات شبير، ما دون من تجارب النازيين الشخصية، وهو قليل مما كان بوسعنا الحصول عليه، مثلا ملخصات وثائق محاكمات آوشفيتس التي جرت في فرانكفورت، أي كما نشرتها الصحافة المجرية في وقتها بعد المرور خلال مقص الرقابة. لغة اللا مصير ليست لغة الكاتب الراغب في الرواية: كان من المطلوب خلق وضع خاص للغة، وهذه الشخصية الروائية لا تنطق إلا في هذا الوضع الخاص عندما يعتصر العنصر الخارجي المُلزم الكلمات منها وينتزعها.
(مقابلة أجراها تماش سونَي في مجلة البرتقالة المجرية)
كرتيس إمره وجائزة نوبل
صدرت في صحيفة الحياة عدد 16/10/2002
أعلنت الأكاديمية السويدية الخميس 10/10/2002 عن فوز المجري إمره كرتيس
Kertész Imre
بجائزة نوبل للآداب لهذا العام. وجاء ذلك الإعلان مفاجأة، إذ اشتكى كثر من عدم معرفتهم بهذا الكاتب الذي صدر له 12 كتاباً لحد الآن باللغة المجرية وهو يشارف على الثالثة والسبعين من عمره. لكن هل يعرف الكثير منا بلده، المجر وآدابها؟
المجر التي تسمى أيضاً هنغاريا (وهو الاسم اللاتيني لها) بلد صغير في قلب أوروبا، يعيش فيه عشرة ملايين شخص، وفي دول الجوار تقطن أقلية مجرية تعد ببضعة ملايين، فلا يزيد عدد المجريين اليوم في العالم عن 15 مليوناً. أول من تحدث عن المجريين الذين قدموا من أواسط آسيا الى حوض الكاربات حيث يقطنون منذ القرن التاسع الميلادي، هم الرحالة والجغرافيون العرب.
وللشعب المجري أدب راقٍ، غني، متنوع ورفيع المستوى. والعالم يجهل هذا الأدب للأسف، لربما يعود سبب ذلك الى محلية لغته، فهي لا تشبه أي لغة أخرى في العالم، وحتى علاقتها بأقرب قريباتها، اللغة الفنلندية، هي أشبه بقرب الفارسية الى الألمانية. العامل الآخر هو ضعف الترجمة من المجرية الى اللغات الأخرى، ولعل محلية اللغة علاوة على حجم البلد الصغير السبب وراء ذلك. أما معرفة الكتّاب العرب، أو القارئ العربي عموماً بالأدب المجري، ناهيك عن معرفته بإمره كرتيس أو الاطلاع على أعماله، إنما هي أمنية أكثر مما هي حقيقة. ويمكن تعداد الأعمال الأدبية المجرية المترجمة الى العربية على أصابع اليد، وغالبيتها جاءت عبر وسيط لغوي ثان مثل الإنجليزية أو الفرنسية. وقد تكون الأنطولوجيا الصغيرة التي أعددتها (لمحات من الأدب المجري، دار المدى 2002) هي محاولة أولى بعد ربع قرن من صدور ترجمتين لبضعة قصائد للشاعرين أتيلا يوجف وشاندور بتوفي. ولربما تسلط مقدمتها القصيرة عن تأريخ الأدب المجري بعض الضوء على هذا الأدب المجهول.
وعلى صعيد الترجمة الى اللغات الأوروبية، أو اللغات الأخرى، يمكن تعداد بعض الكتاب والشعراء المجريين المعروفين ممن تترجم أعمالهم، خاصة في السنوات الأخيرة. نجد هنا بالإضافة الى الشاعرين الكبيرين شاندور بتوفي (1823-1849) وأتيلا يوجف (1905-1937)، أسماء الكتاب شاندور ماراي (1900-1989) الذي يترجم اليوم عمله ”الشموع تحترق حتى أعقابها“ الى الكثير من اللغات. وهناك بيتر أسترهازي (ولد في 1950) حيث ترجم الكثير من أعماله، مثل ”إمرأة“، ”قصة عن الانتاجية“، ”الأفعال المساعدة للقلب“ وغيرها، واشتهرت ”قصص قصيرة جداً“ لإشتفان أُركين (1912-1979) وقصص أنّا يوكاي ”لا تخافوا“، وماجدا سابو ”الباب“ و”بيلاطس“، علاوة على أعمال بيتر نادَش (ولد في 1942) ودجو كوستولاني (1885-1936) وجولا إييش (1902-1983) وجولا كرودي (1878-1933) وبيلا هامفاش (1897-1968) وأشعار يانوش بيلينسكي (1921-1981). وتحتل أعمال كرتيس موقعاً متقدماً بين الأدب المجري الذي يترجم الآن الى اللغات الأجنبية. فقد ترجمت أغلب أعماله الى اللغة الألمانية، لكننا لا نجد سوى رواية أو روايتين له تترجم الى اللغات الأخرى. ونجد اهتماماً واضحاً من البلدان المحيطة بالمجر بأعماله، مثل بلدان يوغوسلافيا السابقة، وسلوفاكيا وتشيكيا، الى جانب أسبانيا وهولندا وبريطانيا. ولكي نلمس جهل العالم بهذا الكاتب، يكفي أن نشير الى أن أشهر كتاب لكرتيس ”اللا مصير“ على موقع صفحة أمازون المتخصصة ببيع الكتب ألكترونياً قفز من المرتبة 745 الى المرتبة الأولى خلال 24 ساعة!. وبالمناسبة، ما كان الكتاب موجوداً في المكتبات المجرية، إذ لم يسأل عنه أحد بعد فترة من صدوره في 1975. أما الآن، وبعد حصول كرتيس على جائزة نوبل، نأمل أن تنشط ترجمة كنوز الأدب المجري الى العربية، وهو أدب سيعجب القارئ العربي بلا شك لخصوصيته وتنوعه.
موقع إمره كرتيس في الأدب المجري
لكن جهل القارئ والكاتب العربي بكرتيس مبرر تماماً، وهو ”خطيئة“ لا يتحملها أحد. فهل يعرف القارئ المجري الاعتيادي أعمال كرتيس، وهل سمع به؟ أخشى أن يكون الجواب بالنفي. إذ لا يحتسب كرتيس في الصفوف الأولى من الأدباء المجريين. لماذا حصل إذن على جائزة نوبل؟ الجواب بسيط، وهو ترجمة أعماله الى اللغة الألمانية وذيوع صيته في البلدان الناطقة بالألمانية على وجه التحديد. لكن ما السبب في ذلك التناقض؟ هل هو تكرار لرفض قوم دعوة نبي منهم؟
الهولوكاوست هو العنصر الجوهري لكل أعمال كرتيس. وهنا يكمن الجواب على كل التساؤلات. لقد قارب كرتيس - بصفته شاهد عانى فضائع آوشفيتس وبوخنفالد - الوعي الألماني للهولوكاوست من زاوية جديدة، غير معتادة أثارت فيهم الحيرة وأربكتهم. مقاربته للمحرقة بسيطة، إنسانية، لا يوجد فيها ما هو شيطاني أو عجائبي على النحو الذي تصوره هوليود: فهو يعرض الحياة البشعة في معسكرات الاعتقال بشكلها الطبيعي، غير مفتعلة، مجردة من المبالغة. وقد أثار ذلك في بعض الألمان الذين اعتادوا الصورة النمطية لدورهم في جريمة الإبادة هذه مشاعر مختلطة، فبعضهم لم يصدق، وافتقد الآخر – صحيح أنهم كانوا أقلية – النبرة التي تدين الألمان في كتاباته، لماذا لا يعنفهم ويوبخهم، شأنه شأن الجميع!.
فالألمان حساسون تجاه قضية كالهولوكاوست. هكذا غرز الأمر في وعيهم الجمعي بعد الحرب الثانية. قد يكون هذا سبب نجاح كرتيس في ألمانيا، فهو الصوت الآخر، الجديد، الذي لا يغذي عقدة الذنب بل ينزل بالمحرقة من السماء الى الأرض. ولربما كانت رواياته الصوت الذي يعرض تجربة الهولوكاوست بصورة مختلفة عما هو معتاد منذ أكثر من نصف قرن. وهو بالمناسبة شديد الحساسية تجاه الأعمال التي تتناول الهولوكاوست. فهو يرفض تحويلها الى أسطورة، لأن ذلك بالضبط ما يفقدها
”إنسانيتها“، وهو الأمر الذي ركز عليه دائماً في أعماله. ويندرج ضمن هذا المفهوم صناعة أو تجارة الهولوكاوست.
الهولوكاوست قضية بالنسبة للألمان. إنها جزء من وعيهم وتأريخهم. لكن ما يعني كل ذلك بالنسبة للمجريين؟ وهل للهولوكاوست عندهم نفس مكانته عند الألمان؟ أشك في ذلك. ولعل هذا هو سبب قلة الاكتراث التي لاقاه كرتيس من قبل أبناء جلدته المجريين. يقول كرتيس أن سبب عدم اهتمام المجريين بالمحرقة وتجنبهم النظر الى تأريخهم القريب، هو أن المجتمع المجري غير قادر الآن على تبني تأريخه بجرأة بموازاة تعامله مع الكم الكبير من المشاكل التي يتعين عليه تجاوزها الآن. هل ذلك صحيح؟ ربما. لكن لماذا يعنى المجريون بالهولوكاوست بنفس الدرجة التي فرضت على الألمان؟ أليس في ذلك مبالغة؟
الهولوكاوست كثقافة
قبل كل شيء، يتعين القول أن كرتيس هو تجسيد للبقاء. هذا المفهوم، البقاء، عصب العمل الأدبي لكرتيس بعد أن كان ملخص خبرته الحياتية من معسكرات الاعتقال حتى البقاء في ظل نظام راكوشي الشمولي قبل 1956، والبقاء في ظل الدكتاتورية ”اللينة“ لكادار بعد 1956. يقول ”في القرن العشرين يحصل للإنسان شيء لم يحصل في تأريخه لحد الآن: اللغة الشمولية، أو كما يدعوه اورويل
Newspeak
، يتغلغل دون مقاومة في وعي الإنسان بمساعدة دينامية من جرعات محددة من العنف والخوف، وبذلك يعزل نفسه بنفسه، يعزل نفسه عن حياته الداخلية. ويتماثل الإنسان درجة فدرجة مع الدور الذي يوزع أو يفرض عليه، رضي أم أبى، سواء ينسجم الدور مع شخصيته أم لا. فوق ذلك يمنح القبول التام بهذا الدور الفرصة الوحيدة أمامه للبقاء. لكن ذلك هو طريقة لتدمير شخصيته بشكل كامل في نفس الوقت. وإذا نجح فعلاً في البقاء، ستستغرق استعادة القدرة على امتلاك اللغة الشخصية وقتاً طويلاً، امتلاك اللغة الوحيدة الصادقة الملائمة لكي يقص مأساته، ولربما يحصل أن يعي الإنسان، أن هذه المأساة غير قابلة للرواية“ (من كتابته ”اللغة المنفية“ في مجلة الحياة والأدب – عدد 24/10/2000).
الهولوكاوست بالنسبة لكرتيس أكثر من تجربة مريرة. إنها دوامة جهنمية، تكرر نفسها أحياناً. إنها صفة لانحطاط المجتمع البشري المعاصر وتغلب الوحشية البدائية الفجة على العقل. فهو يرى أن ما حدث في البوسنة قبل أقل من عقد من السنين، إنما هو امتداد لما حدث في آوشفيتز. ”نعيش إمدادات هذه الدوامة الجهنمية التي يعنيها الهولوكاوست. إذ لا يمكنني مراقبة البوسنة إلا كمرآة لسلسة الأحداث تلك. لا نملك أي ضمان بأن هذه الدوامة لن تتفتح مجدداً في أي مكان وزمان. قد تعد محاولة تحليل التناقضات الصربية – الكرواتية – البوسنية من قبلي غير جدية، لا أعرف جذور ذلك. لكن ما حدث لم يكن بالتأكيد ضرورة، كل الحرب عبثية... تمور انفعالات وكراهية مخيفة في كل منطقتنا شرق أوروبا... ويدل فشل الديمقراطيات الأوروبية الغربية هنا أيضاً، بأنهم لم يحاولوا التدخل، مثلما لم يحاولوا التدخل عندما استلب هتلر السلطة وبدأ بعدوانه واحتلاله“ كما قال في مقابلة أجراها قبل ست سنوات. فهو إذن يعقد المقارنة بين الحرب البوسنية والهولوكاوست.
أي يهودي هو كرتيس؟ ولماذا يصر الكثيرون على إلحاق صفة اليهودي به؟. يقول البعض أنه لم يكن متديناً قبل آوشفيتس، لكنه شعر بالانتماء بفعل تلك التجربة القاتلة. أي انتماء؟ وأي تدين؟. ألا يكفي للإنسان أن نعطيه صفة الإنسانية للتعريف، فنحتاج الى إلحاق انتمائه الديني/ المذهبي/ العرقي/ القومي الخ كي يستقيم التعريف؟ إنه تنكر فظ للقيم التي ناضلت أوروبا طويلاً للوصول إليها، وتراجع خطير عن المبادئ الإنسانية الأوروبية التي بذلت تضحيات هائلة من أجل ترسيخها منذ عهد التنوير الفرنسي لغاية اليوم. لكن كل أعمال كرتيس لا تخرج من إطار يهوديته، وأي يهودية هي؟. يقول ”عندما زرت فيينا في 1989، قبل ثلاث سنوات، لأول مرة في حياتي، رمتني الصدفة الى ساحة خلابة في مركز المدينة، ومنها قادتني سلالم صوب الدانوب، والتوت شوارع ضيقة مبلطة بالحجر بين الأقواس ومداخل البيوت العتيقة. ظاهرة واحدة غير معهودة شوّشت على مشهد المدينة الحالم هذا: رأيت في زاوية أحد الأزقة المنحدرة رجال شرطة بقبعات باسكية وسلاح آلي يحرسون. وسرعان ما علمت أن للطائفة اليهودية الفييناوية هنا مقراً، وبجنبه مباشرة الكنيس. مر ما يقرب من خمسين عام على ذهابي آخر مرة – وقتها كنت طالباً – الى الصلاة في كنيس: وخطر في بالي الدخول. لكن في مدخل الكنيس اعترض دربي شابان ضخما الجثة، بقبعة مدورة مطرزة، تساءلا عن نواياي. ليس من السهل الدخول. إذ تعرض الكنيس الى هجوم قبل بضعة سنوات. ولهذا السبب الشرطة هنا. لماذا أود الدخول ومن أنا – يريدون أن يعرفوا إذن. أجبت، بأني كاتب مجري مسّ لحدٍ ما قضايا اليهود في كتاباته. هل أستطيع إثبات ذلك، سألوا. لا أستطيع. قل شيئاً ما بالعبرية. لا تخطر كلمة عبرية واحدة ببالي. لكن هل أعرف على الأقل – يواصلون الاستفسار – أي مساءٍ هذا اليوم. لم أعط أنا الجواب، بل مرافقتي النمساوية الشقراء الكاثوليكية الأصيلة: مساء الجمعة، بداية السبت اليهودي. في الآخر، وبصعوبة شديدة سمحوا لنا بالدخول“. (من محاضرة له في جامعة فيينا في 23 تشرين الأول اكتوبر 1992).
احتفاء كبير
”ليباركك رب الجميع على هذا العمل البطولي، حصولك على أول جائزة نوبل لهذا لأدب المجري اليتيم والممتاز في الوقت نفسه“. (من رسالة التهنئة التي بعثها الأديب جابُر جُرجَي، وزير الثقافة). ورغم كل ما يمكن أن يقال في كرتيس، فهذه الجائزة هي للأدب المجري في آخر المطاف، وإن جاءت مفاجأة للجميع. وكان الكثيرون يراهنون على فوز بيتر أسترهازي وقد اعتبره المجريون الى جانب بيتر نادَش أحد المرشحين لجائزة نوبل، إن قدّر أن تمنح لكاتبٍ مجري يوماً ما.
واحتفت به الصحافة المجرية احتفاءاً كبيراً. ولكي نفهم سبب ذلك، يجب أن نذكر أن 13 مجرياً حصلوا على جائزة نوبل لحد الآن، أولهم فيليب لينارد الفيزياوي مبكراً في سنة 1905، ولم يحصل أي منهم على جائزة نوبل للآداب من قبل. ثم أن كرتيس، الى جانب عالم الكيمياء العضوية ألبرت سنت-جورجي (وقد حصل على الجائزة سنة 1937 لتحضيره الحامض الأسكوربي، أو ما يعرف بفيتامين سي) هو من القلائل الذين حصلوا عليها كمواطنين مجريين لقاء عملهم وهم في وطنهم المجر، أما الباقون فقد حصلوا عليها وهم مواطنون لدول أخرى، مثل الولايات المتحدة الأميركية، وبينهم أسماء لامعة مثل ينو فيجنر (فيزياء - 1963) جابُر دينَش (فيزياء – 1971) جون بولاني (كيمياء – 1986) جورج اولاه (كيمياء – 1994) و يانوش هارشاني (اقتصاد – 1994).
|