|
تأريخ الأدب المجري
مقدمة كتاب "لمحات من الادب المجري" - دار المدى 2002
ثائر صالح: تاريخ الأدب المجري
تنتسب اللغة المجرية الى عائلة اللغات الاورالية القديمة، وفرعها الفِنوغوري، وقد نشأت وتطورت في سهوب غربي سيبيريا ومناطق آسيا الداخلية. بدأت اللغة المجرية بالتكون قبل نحو 2500-3000 سنة عندما اضطرت القبائل المجرية الى الهجرة جراء ضغط الشعوب التركية التي فقدت مراعيها بسبب الجفاف، وذلك في مناطق ما يسمى بشقيريا اليوم. وكان هذا أول لقاء مع الشعوب التركية الذي لحقه لقاء آخر عندما اختلط المجريون مع الخزر (من الشعوب التركية) في القرون 6-8 ميلادية، وخلال هذه الفترات دخلت اللغة المجرية نحو 300 كلمة تركية وافدة ضمن المفردات الأساسية للغة. ولا تزال اللغة المجرية تستعمل قرابة 500 كلمة فِنوغورية الأصل، وتعتبر اللغة الفنلندية أقرب اللغات الحية المعروفة اليوم الى اللغة المجرية رغم أن الشعبين – المجري والفنلندي – لا يستطيعان التفاهم، و لا يربطهما رابط سوى أن لغتيهما تنتسبان الى عائلة لغوية واحدة، نادرة.
الأدب المجري البدائي:
جاء المجريون الى حوض جبال الكاربات في القرن التاسع الميلادي وهم يحملون ثقافتهم البدائية المميزة لهم. لكن لم يبق من الأغانِ السحرية المنبثقة عن الديانة المجرية القديمة (الشامانية) والأشعار السحرية وأشكال الوعي الميثولوجي البدائي والأشعار الملحمية أو قصائد العمل وغيرها من الاشكال الأدبية الاخرى سوى بعض الأسطر، وأغلبها وصلنا بشكل غير مباشر. وحافظ التراث الشعبي على بعض ملامح الأدب المجري القديم الى اليوم، وفي الآونة الأخيرة كشف البحث العلمي ما تبقى من هذا التراث الأدبي القديم.
ومن بين أول ما كتب عن الأدب المجري القديم، يبرز حديث الاسقف Gellért الذي استمع أثناء مبيته في قرية من قرى جبال باكونِ (عبر الدانوب) في ليلة من الليالي الى اغنية جميلة قد تكون من أغاني العمل. وحفظ المؤرخون القدامي بعض القصص المجرية البدائية، رغم أن اعتناق المجريين المسيحية أدى الى محاربة وإبادة كل ما له صلة بالديانة المجرية البدائية القديمة. ومن بين أهم القصص التي وصلت الينا قصة “الغزال العجيب” و“طير الرخ” التي تروي أصل المجريين وطريق وصولهم الى أوروبا، وقصص الزعيم آلموش، والحصان الأبيض، والزعيم بوتوند. ولا يزال الأدب الشعبي يحفظ الكثير من الوعي البدائي القديم للقبائل المجرية المرتحلة في سهوب أواسط آسيا.
وجمع حفظة القصص القدماء الذين كانوا يقومون بدور السحرة-الكهان التراث البدائي المجري وكانوا ناقليه، وواصلوا مهنتهم القديمة بشكل آخر بعد اعتناق المسيحية، فهم بوصفهم “المثقفين” أستمروا في خدمة البلاط كمؤرخين لامتلاكهم خلاصة الذاكرة الجماعية للشعب. لكن هذا الدور انتهى تقريباً في القرن الرابع عشر، ليحل محلهم المغنون الجوالون (الذين أنشدوا الملاحم والأشعار بمصاحبة العود أو الكمان)، والبهلوانات والمهرجين في البلاط. وتضمنت وثائق تلك العصور بعض الكلمات المجرية، مثل وثيقة تأسيس دير تيهانِ (في شبه جزيرة عند الساحل الشمالي لبحيرة البالاتون) المؤرخة في سنة 1055، بيد أن أول نص مجري كامل وصلنا يعود الى حوالي العام 1200، وهو خطبة وداع (رثاء) تتكون من 32 سطراً، وهو أول نص مكتوب باللغة المجرية (وباقي لغات العائلة الفينوغورية). أما مراثي ماريا، فهي ترجمة مجرية لنص شعري لاتيني. ظهرت أول مخطوطة كاملة باللغة المجرية في منتصف القرن الخامس عشر وهي المعروفة باسم مخطوطة يوكاي. وبدأت النصوص الأدبية المجرية الاولى بالظهور في فترة الاحتلال العثماني للمجر (القرنين السادس عشر والسابع عشر).
لعب الملوك المجريون الأوائل دوراً هاماً في تشكيل ورعاية الثقافة والأدب، مثل الملك لاسلو والملك كالمان (أواخر القرن الحادي عشر)، وتواصلوا ثقافياً مع أوروبا عبر علاقاتهم المتشعبة مع روما وبيزنطة وكييف وأوروبا الغربية. وزاد بيلا الثالث في القرن الثاني عشر هذه التأثيرات بالتأثير الفرنسي فارتفعت المجر في أواخر القرون الوسطى الى مصاف الدول الأوروبية المتقدمة في مجال الثقافة. ووصلت المجر الذروة الثقافية في عهد الملك ماتياش في القرن الخامس عشر حيث احتلت موقعاً هاماً في أوروبا عصر النهضة آنئذ. وهناك متوازيات كثيرة بين الملك ماتياش والخلفاء العباسيين الكبار مثل الرشيد والمأمون في التعامل مع الثقافة والأدب وكذلك الموقف من الرعية (مثلاً كان يخرج متنكراً للتعرف على أحوال الشعب تماماً كما تنقل الينا روايات ألف ليلة وليلة أخبار خروج الرشيد وحارسه مسرور متنكرين في الليالي). بيد أن لغة الأدب والثقافة في ذلك الوقت كانت اللغة اللاتينية، كما هو الحال في باقي الدول الأوروبية. وقد انتشرت مراكز استنساخ الكتب المنمقة (كودكس) في البلاد.
الأدب باللغة المجرية
أما تلك الفترة العاصفة من تأريخ أوروبا التي شهدت التهديد العثماني فقد كانت مرحلة ظهور الحركة الدينية الاصلاحية (لوثر وكالفن)، والتي مهدت الطريق أمام اللغات المحلية وقضت على المكانة الخاصة التي تمتعت بها اللغة اللاتينية كلغة أدب وعلم لقرون طويلة. ولا ننسى تأثيرات حركة ترجمة الكتاب المقدس الى اللغات المحلية على انتعاش أدب هذه اللغات، وهي العملية التي بدأها مارتن لوثر بترجمته الكتاب المقدس الى اللغة الألمانية. وقد ترجم غاشبار كارولي Károli Gáspár الكتاب المقدس (العهدين القديم والجديد) بكامله الى اللغة المجرية في العام 1590، ولا تزال ترجمته من بين أجمل الترجمات المجرية لغةً الى اليوم. وقد سبقت ترجمته الكثير من ترجمات متفرقة لأجزاء من الكتاب المقدس. وشهد منتصف القرن السادس عشر ظهور الأدب المكتوب باللغة الوطنية – المجرية – واحتلال اللغة موقعها الذي تستحق في الأدب.
رغم الاضطهاد الشديد الذي واجهت به الكنيسة الكاثوليكية حركة الاصلاح الديني (الحرق والقتل والتعذيب)، انتشرت الكنائس الاصلاحية في مناطق واسعة من المجر، بوجه الخصوص في مقاطعة أردَي (ترانسلفانيا) وشرقي نهر تيسا (السهل المجري). وظهرت مدارس وجامعات عديدة في مدن هذه المناطق، تلتها المطابع بعد ظهور الطباعة في مدن براشو (براشوف في رومانيا اليوم) وكولوجفار (كلوج-نابوكا في رومانيا) ودبرتسن وغيرها.
في ذلك العهد برز بالينت بالاشا (1554-1594) بين أقرانه فهو أحد أهم الشعراء الذين كتبوا بالمجرية والذين احتلوا مكانة حتى على مستوى الأدب الأوروبي عموماً. ورغم ثراء عائلته تحامل عليه الدهر فغدا فقيراً، وانتهى زواجه الى طلاق فطاف قلاع الحدود ليتقاسم مع الفرسان المدافعين عن المجر ضد الخطر العثماني أيامهم. توفي في حصار مدينة أستَرغوم (وهو مركز ديني رئيسي يقع على نهر الدانوب في الشمال الغربي)، بعد أن أُصيب بجروح بليغة. شعره طري وموضوعي مليء بخبرة حياتية غنية، استخدم فيه مختلف أنماط الجرس والايقاع التي عهدها في الشعر البولوني والتركي علاوة على المجري، وكان يتقن هذه اللغات.
بدأ عصر الباروك في المجر أثناء وبعد التحرر من الاحتلال العثماني، لكن الاحتلال العثماني أُبدل باحتلال الجيوش الامبراطورية التي نهبت حتى القليل الذي سلم من النهب الذي قام به العثمانيون. كل هذا دعى النبلاء المجريين الى مقاومة الاحتلال النمسوي، وبلغت المقاومة الذروة في حرب التحرير التي قادها راكوتسي الثاني في أواخر القرن السابع عشر. بيد أن فشل هذه الحرب بخر من آمال الاستقلال لدى المجريين.
من بين أهم شعراء هذه الفترة نجد أسماء ميكلوش زريني (1620-1664) الشاعر والكاتب والسياسي المقاتل الذي اشتهر في حروبه مع الأتراك. شعره تجديدي في بنائه وأيقاعه، كتب في معظم الأغراض التي عرفها عصره، حتى الملاحم.
بعد فشل حرب التحرير تصالح النبلاء مع البلاط النمسوي، في تلك المرحلة بدأ عصر التنوير الذي أثر بشكل مباشر على الأدب المجري. ورأى المثقفون أن الطريق المؤدية الى بناء دولة قومية تمر عبر تعميق المعرفة ونشر الثقافة، وهذا لا يتم دون تطوير اللغة الوطنية الام. فظهرت المكتبات الضخمة التي احتوت خيرة أعمال كتاب عصر التنوير الفرنسيين (مكتبات النبلاء راداي، أورتسي، فشْتَتيتش، سَيْتشَنيي، تَلَكي)، وأسهمت في هذه العملية المدارس البروتستانتية أيضاً. وفي أواخر القرن الثامن عشر، في الوقت الذي كانت الثورة الفرنسية في أوج هيجانها، بدأ تعليم اللغة المجرية في المدارس الثانوية، وافتتح أول مسرح مجري وتشكلت أول جمعية للكُتّاب.
أبرز ممثلي عصر التنوير هم جورج بَشَنْيَي (1747-1811) الذي خدم فترة في بلاط ماريا تيريزيا في فيينا، وقد لعب دوراً أساسياً في تطوير اللغة والثقافة المجريتين. أما فرنتس كازينتسي (1759-1831) الكاتب والصحفي واللغوي الكبير، فقد دعم ظهور المسرح المجري واهتم بحركة الترجمة، وأسهم في ترجمة أعمال شيكسبير وغوته وليسنغ وموليير. لكن أهم إنجازاته كانت في مجال تحديث اللغة. ونشير هنا الى أن عدداً من المثقفين المجريين المعاصرين بدأوا بالتعامل نقدياً مع عملية تحديث اللغة التي حصلت في أوائل القرن التاسع عشر، إذ يؤكد بعضهم أن التحديث قضى على الكثير من جماليات اللغة وإمكانيات التعبير فيها (بالاساس بعد تشذيب “القواعد” اللغوية)، لكن هذا الأمر يتعلق بالألسنيات لا بالأدب ذاته.
كما برزت أسماء ميهاي تشوكوناي فيتيز (1773-1805) الشاعر الذي تأثر بالأدب العربي والشرقي على العموم، وكتب قصائد عن حافظ شيرازي والقسطنطينية وإيزيس واوزيريس، ودانيل بَرْجَنْيِي (1776-1836) الشاعر الصارم الوقور الجليل في شعره، الذي عاد الى الجذور الكلاسيكية، الذي تميزت لغته بأنها متينة دقيقة قد تشبه لغة الشاعر الألماني هُلدَرلين في طبيعتها.
بدأت مرحلة أدب عصر الاصلاح الرومانتيكي منذ عشرينيات القرن التاسع عشر، وتميزت - مرة ثانية - بالسعي للاستقلال عن حكم عائلة هابسبورغ النمسوية. ولعب الأدب دوراً هاماً في هذا الصراع، وقد بدأ الأدب بالتشبع بالمحتوى القومي وانفتح على الأدب الشعبي.
وبمبادرة من الكونت إشتفان سَيْتشَني رائد حركة تحديث المجر تشكلت أكاديمية العلوم المجرية في سنة 1830 التي رعت الأدب واتجاهات تطوره اللاحق، وتعزز دور المسارح الناطقة باللغة المجرية في مدن الأقاليم، وكذلك في بشت (العاصمة قبل توحيد المدن الثلاثة بشت وبودا وبودا القديمة لتشكل بودابست المعاصرة في 1873). كما تعزز موقع الصحافة اليومية والدورية في الحياة الأدبية والسياسية للبلاد.
من أبرز ممثلي هذا العصر نجد ميهاي فُرُشمارتي (1800-1855) الشاعر الانساني الكبير، وأحد أفصح الشعراء المجريين لغة، برع في ترجمة الإرث القومي، وكتب في الدراما (مثل ملحمته الدرامية تشونغور وتونده). ويوجيف كاتونا (1791-1830) الكاتب والمخرج والممثل المسرحي الشهير، والأديب والمترجم. من أهم أعماله “بانك بان” وهو عمل تأريخي درامي لحنه الموسيقار فرنتس أرْكَل (1810-1893) ليصبح – كمسرحية وأوبرا أيضاً – العمل المسرحي القومي الأول.
أما كاروي كِشفالودي (1788-1830) فكان رائد المسرح الكوميدي، وفي نفس الوقت الشخصية الأدبية الطليعية التي تحلق الادباء حولها. وكتب فرنتس كُلتشَي (1790-1838) شعر النشيد الوطني المجري (ولحنه أرْكَل) وهو النشيد عينه اليوم.
ومنذ أربعينيات القرن التاسع عشر، تعزز الاتجاه الشعبي في الأدب، بموازاة تعزز التوجه الديمقراطي في أوروبا (ثورات 1848-1849). وحافظ الشعر الغنائي الوجداني على موقعه في الصدارة، متمثلاً بعمالقة الأدب المجري الذين خرجوا من محيطهم المحلي ليشتهروا في كل أوروبا والعالم، وفي مقدمتهم شاندور بتوفي (1823-1849) الشاعر الثوري الذي قتل في حرب المجريين التحررية وهو في السادسة والعشرين، ويانوش أرانِ أمين عام الأكاديمية المجرية، وإمره مَداتش (1823-1864) صاحب أشهر دراما مجرية “ترجيديا الانسان”، التي هي في مقام فردوس مِلتون المفقود وفاوست غوته وقايين لورد بايرون. ويعتبر مور يوكاي (1825-1904) أهم كاتب قصة رومانتيكي مجري، من بين أعماله المعروفة “الماسات السوداء” و“الأرض تدور مع ذلك”.
إثر فشل الثورة المجرية في 1849، وبعد المصالحة بين الأرستقراطية المجرية والبلاط في 1867، وانخراط النبلاء الصغار في خدمة جهازي الدولة والجيش للامبراطورية النمسوية – المجرية بدأ المجتمع بالسير في طريق تطور متميز: فمن جهة شهد الثلث الأخير من القرن التاسع عشر نمواً اقتصادياً وصناعياً وعلمياً وثقافياً وعمرانياً كبيراً، من جانب آخر تراكمت تناقضات صاحبت هذا النمو مثل ظهور الحركة العمالية والفلاحية وتفاقم التمايز الطبقي، وبرز للعيان التناقض الذي صاحب عدم حل قضية القوميات (كانت المملكة المجرية تحكم كرواتيا ولاحقاً البوسنة وأجزاء من سلوفاكيا، ومقاطعة أرْدَي – ترانسلفانيا – بكل قومياتها في ذلك الوقت، وكان ذلك ضمن إطار امبراطورية النمسا – المجر). وقد شعر ادباء عهد المصالحة بالضياع بعد تبخر آمالهم في الاستقلال، وتعاظم النقد الاجتماعي الذي وجهه الادباء في مطلع القرن العشرين في خضم ظهور مختلف التيارات الفلسفية – السياسية المتصارعة في أوروبا، وتشكلت خلال هذه الفترة التي سبقت الحرب العالمية الاولى المدرسة الواقعية في الأدب. ومثل الكاتبان القصصيان كالمان مِكسات (1847-1910) وغيزا غاردوني (1863-1922) هذه المرحلة أفضل تمثيل.
غير أن العصر الذهبي للأدب المجري بُني على يد مجموعة من الكتاب والشعراء الكبار، ممن يعرفون بجيل الغرب “نيوغات”، وهو عنوان مجلة أدبية ثقافية رفيعة المستوى استمرت في أداء دورها الريادي لعقود. ولا ننسى أن نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين شهدا العديد من الاكتشافات العلمية الهامة وتطبيقاتها التي غيرت حياة البشرية بصورة جذرية، مثل الهاتف والتصوير الفوتوغرافي والفونوغراف وغيرها الكثير، ومهد أينشتاين وكوري وفرويد ومئات غيرهم لبناء اسس العلم الحديث الذي تتمتع البشرية اليوم بثماره وتقاسي من سوء التصرف به. كل هذا كان له أثره في هذه النهضة الأدبية الجديدة.
ويتربع كل من الشعراء أندره آدي (1877-1918) وميهاي بابيتش (1883-1941) وآرباد توت (1886-1928) والكتاب جيغموند موريتس (1879-1942) وفريجش كارينتي (1887-1938) على عرش الأدب المجري، وجميعهم من جيل مجلة الغرب، والى جانبهم برز كاتب القصة والشاعر ومدير المتحف فرنتس مورا (1879-1934).
شهدت الفترة بين الحربين تطورات سياسية – اجتماعية خطيرة، انعكست على الأدب بدورها. فقد انتهت الحرب العالمية الاولى بخسارة النمسا – المجر وألمانيا، وفشلت الثورة الاشتراكية ودولة المجالس المجرية في 1919 واغرقت بالدم، ثم جاءت معاهدة تريانون لتقتطع ثلثي الأراضي المجرية وتوزعها على دول الجوار، تلتها الأزمة الرأسمالية الكبرى 1929-1933، فصعود النازية والحرب العالمية الثانية. على صعيد الأدب، تميزت هذه الفترة بصدمة شديدة لم تفق منها الحياة الثقافية بسهولة، وحاول ميهاي بابيتش من خلال رئاسته تحرير مجلة الغرب أن يحافظ على التقاليد الأدبية المتوازنة والمعتادة. ومن الجدير بالذكر، أن مشاريع الفن الطليعي لم تتعزز كثيراً في المجر. وفي الثلاثينات ظهرت نقاشات قصمت الأوساط الأدبية الثقافية، تتعلق بالصراع بين الريف والمدينة، ومن بين تجلياتها البحث عن طريق ثالث بين الاشتراكية والرأسمالية.
وتبرز قامة أتيلا يوجيف العملاقة بين شخوص تلك الفترة، ويجب أن نذكر جولا إيْيَش (1902-1983)، وميكلوش رادنوتي (1909-1944) الذي قتله الفاشيون، ولاسلو نَيمَت (1901-1975) الشاعر والمترجم غزير الانتاج الذي لاحقه الفاشيون وتصادم مع السياسة الأدبية الرسمية في العهد الاشتراكي فيما بعد.
بانتهاء الحرب العالمية الثانية ظهر وضع سياسي جديد، وانتعشت الآمال في بناء البلد من جديد على أساسٍ من العدالة الاجتماعية بعد الانتصار على الفاشية. وانسحب هذا الحماس لإعادة البناء والأمل في مجتمع أكثر عدالة على ميادين الأدب، فظهرت تجمعات مختلفة من الادباء وعدد كبير من المنابر، مثل “المجريون” و“القمر الجديد” (مجلة الادباء الشباب) و“الجواب” (مجلة الكتاب الشعبيين)، “المنبر” (مجلة المثقفين الماركسيين) و“الحقيقة” (مجلة اليسار)، و“النجمة” (مجلة التحول الاشتراكي) وغيرها. وميزت نتائج انتخابات العام 1946 الديمقراطية الحرة المناخ السياسي المجري وقتها، فسيطر حزب الفلاحين الملاكين الصغار على الحكومة، وتمثلت التيارات السياسية الأساسية الشيوعية والاشتراكية الديمقراطية وغيرها في البرلمان. غير أن رياح 1948/1949 حملت نذراً بالشؤم، عندما بدأت عملية منظمة لتصفية التعددية السياسية لصالح الستالينية التي استحوذت على قيادة الحزب الشيوعي الشرعي (الهيمنة التي مارسها الشيوعيون-الستالينيون الذين قدموا مع الجيش الأحمر المحرر بعد عقود من الاقامة في الاتحاد السوفيتي على الشيوعيين الذين ناضلوا في المجر ضد النازية). وبدأت العملية بفرض وحدة غير متكافئة على الاشتراكيين الديمقراطيين للذوبان في الحزب الشيوعي، وتصفية من عارض هذه الوحدة. وانتهى الأمر بسيطرة مطلقة لديكتاتورية ماتياش راكوشي، وسلسلة من التصفيات التي صبت على أبرز قادة حزب الشغيلة المجري (بعد اندماج الاشتراكي الديمقراطي بالشيوعي) ذاته بتهم ملفقة، ناهيك عن تدمير الريف وإفقار الفلاحين وسلب إرادة الجماهير، وبالأساس الجماهير العمالية.
كل هذا انعكس سلباً على الأدب، فقد فرض تفسير إرادوي لما سمي بالواقعية الاشتراكية واحكمت سيطرة الحزب الشيوعي على ما يكتب. وفي انتفاضة 1956 المجرية ضد الحكم القسري الستاليني ساهم الادباء في المنابر الأدبية بشكل فعال في الحياة اليومية للثورة المجرية قصيرة الأمد (دامت 13 يوماً فقط). وسعى المجريون بقيادة إمره ناج، أحد قادة حزب الشغيلة ورئيس الوزراء الشرعي المنتخب الى إقامة مجتمع العدالة والديمقراطية بصورة هي ليست بعيدة عن التصورات الاشتراكية.
بعد القضاء على ثورة 1956 بتدخل سوفيتي عسكري كبير، عانى الكثير من الادباء من السجن والانتقام والاجبار على الصمت، قبل أن تبدأ سنوات الانفراج في الستينيات، عندما دبت الحياة مجدداً في عروق الادب، فظهرت العديد من الدوريات الراقية مثل “الحياة والأدب” التي لا تزال في الصدارة الى اليوم، و“المعاصر” التي هي لسان حال اتحاد الكتاب المجريين وبدأت بالصدور في العام 1960، “العالم الفسيح”، “الكتابة الجديدة”، “العصر الحالي” وغيرها. ومن الجدير أن نذكر بأن اتحاد الكتاب المجريين كان قد تأسس في العام 1949.
من أبرز ادباء تلك الفترة نذكر يانوش بِلينسكي (1921-1981)، وفرنتس يوهاس (1928)، ولاسلو ناج (1925-1978)، وفرنتس شانتا (1927)، وشاندور تشوري (1930) الذي شغل بعد سقوط الاشتراكية منصب رئيس اتحاد المجريين العالمي لغاية عام 1999. وبرز بين الكتاب إشتفان أُركينِ (1912-1979) في الدراما والقصة، وهو الذي كتب قصة “عائلة توت” التي اشتهرت على صعيد أوروبي وعالمي.
وعقب سقوط النظام الاشتراكي في المجر والقضاء على دولة الحزب الواحد والعودة الى التعددية السياسية، بدأ الانتماء والتوجه السياسيين يحددان التجمعات الأدبية، واستمر ظهور العديد من الدوريات مثل “المعاصر” وهي تصدر اليوم بـ 3300 نسخة (رغم أنها مهددة بالتوقف بسبب تقليص حجم الدعم الحكومي الذي تحصل عليه)، و“العالم المتحرك” (تصدر بـ 6000 نسخة). وعادت الدوريات الأدبية – السياسية – الاجتماعية التي تمثل مختلف التلاوين الى الظهور، مثل “الصحوة” و“نهاية القرن” (دوريتان للكتاب الماركسيين الاشتراكيين والاشتراكيين الديمقراطيين، حرر الاولى المفكر والمستشرق الراحل فرنتس توكَيِي)، و“البرتقالة المجرية” (مجلة اتحاد الديمقراطيين الشباب الليبرالي في البداية، والتي انقلبت على هذا الحزب الذي حكم المجر بين 1998-2002 بسبب من تحوله نحو اليمين)، و“المتحدث” (لسان حال اتحاد الديمقراطيين الأحرار وهو حزب ليبرالي، بدأت بالظهور كمطبوعة سرية في أوائل الثمانينيات)، بالاضافة الى صحف ومجلات اليمين واليمين المتطرف التي هي أقل تأثيراً وشأناً، والتي هي مجلات سياسية بالدرجة الاولى قبل أن تكون مجلات أدبية – فكرية، رغم أن بين قادة اليمين بعض الكتاب والشعراء الكبار مثل شاندور تشوري وإشتفان تشوركا (رئيس حزب العدالة والحياة المجرية، وهو حزب قومي يميني متطرف). ويحرر الأخير مجلة “المنبر الديمقراطي” الاسبوعية.
وعلى صعيد الترجمة الى اللغات الأوروبية، أو اللغات الاخرى، يمكن تعداد بعض الكتاب والشعراء المجريين المعروفين ممن تترجم أعمالهم، خاصة في السنوات الأخيرة. نجد هنا بالاضافة الى الشاعرين الكبيرين شاندور بتوفي (1823-1849) وأتيلا يوجف (1905-1937)، أسماء الكتاب شاندور ماراي (1900-1989) الذي يترجم اليوم عمله "الشموع تحترق حتى أعقابها" الى الكثير من اللغات. وهناك بيتر أسترهازي (ولد في 1950) حيث يترجم الكثير من أعماله، مثل "إمرأة"، "قصة عن الانتاجية"، "الأفعال المساعدة للقلب" وغيرها، واشتهرت "قصص قصيرة جداً" لإشتفان أُركين (1912-1979) وقصص أنّا يوكاي "لا تخافوا"، وماجدا سابو "الباب" و"بيلاطس"، علاوة على أعمال بيتر نادَش (ولد في 1942) ودجو كوستولاني (1885-1936) وجولا إييش (1902-1983) وجولا كرودي (1878-1933) وبيلا هامفاش (1897-1968) وأشعار يانوش بيلينسكي (1921-1981). والآن بعد حصول إمره كرتيس على جائزة نوبل، بدأ العالم بتعلم اسمه بعد أن كان كاتباً مجهولاً. وتحتل أعمال كرتيس موقعاً متقدماً بين الأدب المجري الذي يترجم الآن الى اللغات الأجنبية. فقد ترجمت أغلب أعماله الى اللغة الألمانية، لكننا لا نجد سوى رواية أو روايتين له تترجم الى اللغات الاخرى. ونجد اهتماماً واضحاً من البلدان المحيطة بالمجر بأعماله، مثل بلدان يوغوسلافيا السابقة، وسلوفاكيا وتشيكيا، الى جانب اسبانيا وهولندا وبريطانيا. ولكي نلمس جهل العالم بهذا الكاتب، يكفي أن نشير الى أن أشهر كتاب لكرتيس "اللا مصير" على موقع صفحة أمازون المتخصصة ببيع الكتب ألكترونياً قفز من المرتبة 745 الى المرتبة الاولى خلال 24 ساعة!. وبالمناسبة لم يبحث عن الكتاب أحد في الأسواق منذ صدوره ولغاية يوم حصوله على النوبل. أما الآن فتطبع طبعات جديدة من أعماله.
|